حطين 1187م: لماذا يخشى الصهاينة وأربابهم اسم صلاح الدين حتى اليوم؟ وما الذي يجعل مشروعه التحريري مزعجًا بعد ثمانية قرون؟
الطرق إلى حطين: كيف حوّلت مصر حلمَ تحرير القدس إلى حقيقة؟
حين تُصبح الأرض ذاكرةً لا تنسى
في الرابع من يوليو عام 1187م، وقف جيشٌ منهك الأطراف على تلال حطين في
الجليل، وخلفه بحيرة طبريا وأمامه لهيب الشمس وسيوف صلاح الدين. لم يكن ذلك اليوم
مجرد معركة فصل فيها السيف بين الفريقين، بل كان يومًا أُعدَّ له بصبرٍ طويل وعقلٍ
يعرف أن التحرير لا يُبنى في ليلةٍ واحدة.
حطين درسٌ في الجغرافيا والزمن معًا.
لعل أكثر ما يُثير الدهشة أن الطريق إلى حطين لم يبدأ في الجليل، بل
بدأ على ضفاف النيل، في مصر الحزينة التي كانت تئن تحت وطأة دولة منهكة من الداخل،
قبل أن يأتيها رجلٌ كردي من تكريت ليُحوّلها إلى قاطرة النصر.
مصر أولاً: حين تكون القاعدة هي كل شيء
لا يُفهم صلاح الدين بمعزل عن مصر، ولا تُفهم حطين بمعزل عن ما بُني
على ضفاف النيل.
حين وطئت قدماه أرض مصر عام 1169م وزيرًا للدولة الفاطمية، لم يرَ
أمامه مجرد بلدٍ يُحكمه، بل رأى ما يراه المعماري حين يتأمل أساسًا متصدعًا: ينبغي
هدمه وإعادة بنائه من الصفر.
كانت مصر آنذاك دولةً بلا روح جامعة. خليفتها شيعي يحكم شعبًا سنيًا،
وجيشها فسيفساء من السودانيين والأرمن والبربر المتنازعين على الولاء. وخزينتها،
رغم ثراء النيل، تذوب في بذخ البلاط الفاطمي المُترف.
خطوات صلاح الدين كانت جراحيةً في دقتها:
أسقط الخلافة الفاطمية عام 1171م دون إراقة دماء تذكر، وأعاد مصر إلى
أحضان الخلافة السنية. حلّ الجيش المتشظي وبنى مكانه جيشًا موحد الولاء من
المماليك الأتراك والأكراد والعرب. وجّه ثروة مصر الزراعية نحو التسليح والبناء
بدلاً من الإنفاق البذخي. وشيّد قلعة القاهرة الصرحية، تلك القلعة التي لا تزال
تُطل على القاهرة شامخةً حتى اليوم، لتكون درعَ الظهر الذي يُتيح له المضيَّ
قُدُمًا دون خوف.
مصر لم تكن في مشروع صلاح الدين غايةً، بل كانت ذراعًا.
الطوق يضيق: الاستراتيجية الكبرى
بعد أن أمسك بمصر، نظر صلاح الدين إلى الخريطة بعين المُحاصِر. كانت
الممالك الصليبية تمتد على الساحل الشامي كشريطٍ رفيع، تحيط به من الغرب البحر ومن
الشرق والشمال والجنوب الأراضي المسلمة. غير أن تلك الأراضي كانت ممزقة: دمشق
لأميرها، وحلب لأميرها، والموصل لأميرها، وكل منهم يحسب حساب الآخر قبل أن يحسب
حساب العدو.
فقرر صلاح الدين أن يُنجز ما عجز عنه عقدٌ كامل من الصراعات: توحيد العالم الإسلامي المحيط
بالصليبيين من كل جهة.
رحل إلى الشام، ضمّ دمشق، ثم حاصر حلب وفاوضها حتى خضعت، ثم امتدت يده
إلى الجزيرة والموصل. لم يكن الصليبيون يدرون أن الحلقة تضيق، وأن الرجل الذي بدأ
وزيرًا في القاهرة يُعيد رسم خارطة العالم الإسلامي حولهم.
حطين لم تكن مفاجأة. كانت نهايةً طبيعية لعقدين من التطويق الصبور.
يوم حطين: حين التقت الجغرافيا بالإرادة
اختار صلاح الدين توقيته بعناية فائقة. يوليو في الجليل لهيبٌ لا
يُحتمل، والصليبيون يتحركون بدروعهم الثقيلة عبر أرضٍ جافة تفتقر إلى الماء. استدرجهم
بعيدًا عن مصادر المياه، ثم أشعل النيران في الحشائش الجافة من حولهم، فأحاطهم
الدخان واللهب والعطش معًا.
انهار الجيش الصليبي في ساعاتٍ قليلة. أُسر ملك القدس جي دو لوزينيان
بنفسه. وسقط الصليب المقدس الذي كان الصليبيون يعتقدون أنه يمنحهم النصر، في يد المسلمين.
وبعدها بثلاثة أشهر فقط، في الثاني من أكتوبر 1187م، دخل صلاح الدين
القدس.
دخلها دون مجازر. دون انتقام. أمّن أهلها، وفتح أبوابها، وبكى حين رأى
المسجد الأقصى الذي حُوِّل قرنًا من الزمن إلى كنيسة.
لماذا يخشى الصهاينة وأربابهم اسم صلاح الدين؟
ليس صدفةً أن اسم صلاح الدين يثير حفيظة دوائر بعينها في الغرب والكيان
الصهيوني حتى اليوم. فهم لا يخشون الرجل الميت منذ ثمانية قرون، بل يخشون النموذج.
صلاح الدين يُثبت أن بالإمكان:
أولاً: توحيد الأمة من حول مشروع واضح. وهذا يعني أن التشرذم الراهن ليس قدرًا، بل هو
حالةٌ طارئة يمكن تجاوزها.
ثانيًا: بناء قوة من الداخل لا انتظار نجدة من الخارج. مصر
وحدها كانت كافية للبداية حين أُحسن توظيف مواردها.
ثالثًا: أن الجغرافيا لا تكذب. فلسطين محاطةٌ بعمقٍ عربي وإسلامي هائل،
والتاريخ يُثبت أن هذا العمق حين توحّد فعَل ما فعله في حطين.
رابعًا: أن التحرير ممكنٌ ولا يشترط شرعية دولية ولا استئذانًا من أحد. وهذا
وحده كافٍ لأن يكون صلاح الدين شخصيةً مزعجة في كل الأوقات.
لهذا حين يظهر في التاريخ مشروعٌ يحمل هذه السمات الأربع: الوحدة،
والاستقلال، والعمق الاستراتيجي، والإرادة التحريرية، فإن أصحاب الاحتلال وأربابهم
يتحركون لمحاصرته وتشويهه واغتياله إن أمكن. ليس بسبب خطورته في الحاضر، بل لأنه
يذكّر الناس بأن المستحيل ليس مستحيلاً.
الأمل ليس ترفًا: الدرس الأعمق من حطين
نعيش اليوم في زمن يُراد لنا فيه أن نقبل بالواقع ونُقنع أنفسنا بأن
القدس قضيةٌ خاسرة، وأن المسجد الأقصى مصيرٌ محسوم. ويأتي هذا الإيهام من قنواتٍ
كثيرة: إعلامٌ يُطبّع، وساسةٌ يتحدثون عن "حلول واقعية"، وأجيالٌ تنشأ
على قناعة أن الجغرافيا تغيّرت إلى الأبد.
لكن الجغرافيا لا تتغير.
الأقصى ما زال يقف حيث وقف. والعمق العربي والإسلامي ما زال محيطًا
بفلسطين من كل جهة. والتاريخ يُعلمنا أن مائة عام من الاحتلال الصليبي انتهت في
يومٍ واحد على تلال حطين.
صلاح الدين لم يبدأ من النقطة الصفر بالقوة، بل بدأ من نقطةٍ أدنى من
الصفر: دولة فاطمية منهكة، وعالم إسلامي ممزق، وعدوٌّ راسخٌ في عقر دار أمته. ومع
ذلك أنجز ما أنجز.
الدرس ليس أن ننتظر صلاح الدين آخر، فالتاريخ لا يُعيد نفسه حرفيًا.
الدرس أن المشروع التحريري لا يموت ما دامت الأرض موجودة والذاكرة حيّة والإرادة
لم تستسلم.
الطريق ما زال موجودًا
حطين ليست في الجليل وحده. حطين في كل قرارٍ يُبنى بعيدًا عن مصالح
المُحتل. في كل مشروعٍ يُوحّد بدل أن يُشتت. في كل جيلٍ يرفض أن يُقنع نفسه بأن
الهزيمة قدر.
مصر بنت حطين على مدى عقدين صامتين. والقدس تحررت في ثلاثة أشهر.
الطريق طويل، لكنه موجود. وكل خطوةٍ فيه تُقرّب من النقطة التي تُقلب
فيها الموازين.
وحين تُقلب، تُقلب دفعةً واحدة، كما حدث في الرابع من يوليو، فوق تلال
حطين.
"وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" — سورة آل عمران: 139

COMMENTS